مهمة إنسانية لكسر حصار غزة

نشأ ابن محافظة بنزرت في شمال تونس وسط صخب الأمواج ورائحة الميناء، حيث عمل كقائد للسفن التجارية. لكن مشاهد الإبادة والتجويع في غزة التي كان يتابعها يوميًا جعلته يشعر أن مكانه ليس على الرصيف، بل في قلب البحر في مهمة إنسانية نحو فلسطين. عندما أعلن أسطول الصمود العالمي عن رحلته الجديدة لكسر الحصار المفروض على القطاع منذ أكثر من 17 عامًا، لم يتردد محمد علي في التطوع. انضم إلى سفينة “أمستردام” على أمل أن يكون جزءًا من رسالة حياة وسلام ضمن مبادرة إنسانية تكسر جدار الصمت. لكن الرحلة لم تكتمل، إذ اعترضت القوات الإسرائيلية الأسطول واحتجزت طاقمه في ظروف صعبة قبل أن ترحلهم إلى بلدانهم بعد سلسلة من الانتهاكات. كنت دائمًا أتابع المجازر التي ترتكبها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني، وكنت أشعر بعجز كبير كلما رأيت تلك المشاهد. لذلك كنت أبحث عن أي طريقة أُسهم بها ولو بالقليل في مهمة إنسانية تهدف إلى كسر الحصار عن غزة. وعندما أعلن أسطول الصمود العالمي حاجته إلى ربان سفن للمشاركة في هذه الرحلة، لم أتردد لحظة في تلبية النداء. في البداية طُلب مني استشارة تقنية بصفتي مختصًا في الملاحة، حيث كان عليّ تقييم جاهزية السفن المتجهة نحو القطاع. اكتشفت أن معظمها تعاني من أعطال ميكانيكية لا تسمح لها بخوض رحلة طويلة في عمق البحر. كنت قلقًا من أن ينطلق الأسطول الإسباني قبل أن تكتمل جاهزية السفن التونسية. لذلك قررت العمل لساعات طويلة مع فريق من الفنيين والميكانيكيين على تجهيز سفينة “أمستردام”، حتى أصبحت جاهزة للإبحار في ظرف ليلة واحدة فقط. إطلاقًا، الاعتداء الإسرائيلي على ميناء سيدي بوسعيد لم يُخف أيًا من المشاركين في الأسطول، بل على العكس، زادنا عزيمة وإصرارًا على المضي قدمًا. شعرنا بأننا نواجه عدوًا حقيقيًا، وأن مسؤوليتنا الإنسانية تفرض علينا أن نكون صفًا واحدًا في وجهه. بعد الهجوم، تلقينا العديد من الطلبات من متطوعين جدد أرادوا الالتحاق بالأسطول تعبيرًا عن تضامنهم. أما الذين انسحبوا، فلم يكن انسحابهم بدافع الخوف، بل بسبب أعطال تقنية في بعض السفن حالت دون مشاركتهم في الإبحار. تلقيت خبر وفاة والدي وأنا على متن السفينة، وكان وقع الخبر مؤلمًا جدًا، زعزعني من الداخل، في تلك اللحظة فكرت في العودة، لكنني أدركت أن الطريق سيكون طويلًا وصعبًا، وأن انسحابي لن يغير من الواقع شيئًا. لذلك قررت المضي قدمًا وإكمال الرحلة، وفاءً لروح والدي الذي رباني على حب الخير ومساعدة الآخرين. لم أندم أبدًا على هذا القرار، لأن كانت تعني لي الكثير، وكانت رسالة إنسانية لا يمكن أن أتراجع عنها. بالنسبة إلي، توقفت الساعة منذ السادس عشر من الشهر الماضي. كنت أنا وطاقم السفينة نتخيل في كل لحظة مشهد الغزاويين وهم يقفون على الشاطئ بانتظار وصول المساعدات، وكنا نحلم أن يدخل هذا الأسطول التاريخ بكسره للحصار المفروض منذ سنوات طويلة. صحيح أن إسرائيل اعترضت سفننا ومنعتنا من الوصول، لكننا شعرنا أننا حققنا جزءًا من الهدف. لقد أوصلنا رسالة إلى العالم، وحرّكنا الرأي العام في شوارع كثيرة، فكانت غزة هي البوصلة والعنوان الذي لا يمكن تجاهله بعد اليوم. طوال الرحلة، كان الفريق القانوني يدرّبنا على كيفية التعامل مع جيش الاحتلال في حال اعتراضنا، وكانت كل خطوة محسوبة بدقة. لذلك، عندما لم نفاجأ، بل التزمنا بالحركات والإجراءات التي تم تدريبنا عليها لحماية أنفسنا وتجنب أي تصعيد. المفارقة أن الجنود الذين صعدوا إلى السفينة بدوا أكثر خوفًا منا. كانوا متوترين إلى حد أنهم كانوا يراقبون كل حركة نقوم بها، حتى مجرد التفاتة أو نظرة كانت تثير ريبتهم. شعرنا حينها أن شجاعتنا الهادئة أربكتهم أكثر من أي مقاومة. نعم، تعرضنا لاعتداءات جسدية ونفسية سواء على متن السفينة أو بعدها. رفع الجنود أسلحتهم في وجوهنا، وهددونا بالقتل، وأجبرونا على رفع أيدينا طوال الوقت. ورغم أنهم كانوا يدركون بعد تفتيش السفينة أننا مدنيون وسلميون، فإنهم واصلوا وصفنا بـ”الإرهابيين” وادعوا أننا نتبع حركة حماس، في محاولة لتشويه مهمتنا الإنسانية. أما في السجن، فكان التعامل قاسيًا جدًا. تم حرمان النشطاء من الأكل والشرب وحتى من أدويتهم الأساسية. كل ساعتين تقريبًا، كنا نُستدعى للتحقيق أو نتعرض للتعذيب على أيدي الجنود. أتذكر أحد النشطاء الذي كان يعاني من مرض مزمن، طلب دواءه من محفظته، فكان الرد البارد: “ما دام قلبك لم يتوقف، فأنت بخير”. كما تعرضت النساء المشاركات، إذ نُزع حجاب بعضهنّ أمام الجميع، وحين حاولت إحداهن تغطية شعرها بقميصها، انتزعوه منها أيضًا. كانت مشاهد موجعة تظهر الوجه الحقيقي للاحتلال، وتؤكد أن مهمتنا الإنسانية كانت ضرورة لا خيارًا. نعم، فكرت في هذه الفرضية قبل أن أخوض التجربة. كنت مدركًا تمامًا أن الطريق نحو غزة ليس سهلًا، وأننا قد لا نعود. لكنني كنت أقول لنفسي دائمًا إن أرواحنا ليست أغلى من أرواح أهالي غزة وأطفالها الذين يُقتلون كل ثانية، كان واجبًا إنسانيًا يستحق المخاطرة. كنت أعي تمامًا وحشية وصعوبة المواجهة معه، ومع ذلك لم أتردد لحظة في الإبحار. كنت مؤمنًا بأن الرسالة التي نحملها أكبر من الخوف، وأن مجرد المحاولة هو شكل من أشكال المقاومة الإنسانية. لا ينبغي أن ننتظر الفرصة حتى تأتي، الشعب الفلسطيني يتعرض لانتهاكات جسيمة كل يوم، ومن واجبنا أن نبادر نحن بخلق الفرص بدل الانتظار. خروج أسطول واحد رسالة قوية، لكن المطلوب أن تتكرر الرسالة والمبادرات وأن تنطلق مئات الأساطيل من دول مختلفة وتتوجه نحو غزة، بهدف كسر الحصار وإنهاء الظلم والقهر المسلط على المدنيين. المشاركة في كسر الحصار عن غزة ليست حدثًا عابرًا بالنسبة لنا، بل التزام مستمر يتطلب تنسيقًا دوليًا وجهودًا متواصلة من أجل خلق ضغط شعبي وسياسي يترجم إلى فعل على الأرض.