الصحة

22.10.2025

مواجهة الريكتسيا في ليبيا: جهود وتحديات

يخشى الأطباء من أن يتحول المرض إلى وباء إذا لم تُتخذ إجراءات فورية للسيطرة عليه وزيادة الوعي بطرق الوقاية منه، خاصة في المناطق الريفية التي تفتقر إلى الخدمات البيطرية والصحية الأساسية. وفي إطار الجهود الوطنية للحد من انتشار الأمراض المشتركة بين الإنسان والحيوان، نظمت طرابلس مؤخرًا يومًا علميًا لمناقشة مرض “الريكتسيا” وحمى “كيو” في ليبيا، حيث شارك نخبة من المتخصصين والباحثين في الطب البشري والبيطري. وصرح الدكتور أسامة غريبة، مدير إدارة الرصد والاستجابة السريعة بالمركز الوطني لمكافحة الأمراض، أن “مرض الريكتسيا هو عدوى بكتيرية تنتقل عبر الحشرات، وهو مرض مستوطن في ليبيا ودول البحر الأبيض المتوسط، حيث تُسجل حالات إصابة به سنويًا في بعض المدن الليبية”. وأوضح الدكتور غريبة أن “حالات ظهرت مؤخرًا مصابة بطفح جلدي وحمى، وبعد التشخيص الطبي، تبين أن المصابين تعرضوا للدغات حشرات تسببت في إصابتهم بالريكتسيا”. وأضاف أن “المركز الوطني لمكافحة الأمراض شكّل فريقًا متخصصًا قام بزيارة ميدانية لموقع الحالات بالتنسيق مع إدارات الخدمات الصحية والإصحاح البيئي الحيوانية”. وأكد أن “المركز يبذل جهودًا كبيرة من خلال فرق الرصد لمتابعة الوضع الوبائي في مختلف مدن ليبيا، سواء فيما يتعلق بالريكتسيا أو غيرها من الأمراض المعدية”. وأشار إلى أن “هناك قائمة بالأمراض التي يجب الإبلاغ عنها لتمكين المركز من متابعتها بدقة وباستمرار”. وبين الدكتور غريبة أن “المركز درب فرقًا وطنية متخصصة في الرصد والاستجابة السريعة لرفع جاهزيتها في حالة ظهور حالات جديدة أو بؤر وبائية محتملة”. وأضاف أنه “تم تسجيل عدد من الإصابات نتيجة لدغات الحشرات، وتم البحث فورًا عن أي حالات أخرى محتملة”. وأكد على أن “مسؤولية الحماية من هذا المرض مسؤولية مشتركة بين عدة قطاعات”، مشددًا على أهمية دور وسائل الإعلام في رفع الوعي المجتمعي حول طرق انتقال هذه الأمراض وسبل الوقاية منها. وأكد أن “الريكتسيا يمكن علاجها بالمضادات الحيوية التي تُعطى للمصابين بعد التشخيص الطبي المناسب”. وذكر الدكتور علي المبروك أبوقرين، عضو المجلس الاستشاري العربي الأفريقي للتوعية، أن “الأمراض لا تنشأ في الفراغ، بل تتطور في البيئات التي تتوفر فيها مسبباتها، وتغذيها الفقر وسوء النظافة وضعف الوعي والإهمال في الوقاية”. وأشار إلى أن “هذه الكائنات تستغل لحظات الضعف وتعيش في الشقوق التي يتركها الإهمال، سواء في المنازل أو السياسات الصحية أو ضمائر البشر، وفي المناطق الفقيرة والمزدحمة تتكاثر النواقل وتتحول البيوت إلى بيئات خصبة للعدوى”. وأضاف أبوقرين أن “ضعف النظام الصحي وتراجع الوعي المجتمعي يجعلان من الريكتسيا وغيرها من الأمراض الطفيلية جزءًا من دورة الفقر والمرض، التي تعيد إنتاج نفسها جيلًا بعد جيل”، لافتًا إلى أن “التغيرات المناخية تسهم في اتساع رقعة المرض، إذ تمتد الحشرات الحاملة للعدوى إلى مناطق جديدة كانت سابقًا آمنة”. وأكد أن “حركة السفر غير المنضبطة والهجرات غير القانونية التي لا تخضع للرقابة الصحية تسهم في انتشار العدوى عبر الحدود”، مشيرًا إلى أن “هذه الأمراض تجد في الإهمال البشري حليفًا وفي الجهل بيئة خصبة للبقاء”. وتابع: “العلاقة بين الإنسان والحيوان متشابكة، وإهمال النظافة في الحظائر والمزارع وغياب الإشراف البيطري يجعل الأمر مسألة وقت فقط، كما أن نقص التدريب والمعدات لدى العاملين في قطاع الصحة العامة يؤدي إلى ضياع الفرص الذهبية للسيطرة على المرض قبل تفشيه”. وأشار إلى أن “التشخيص يعتمد على الفحص السريري الدقيق وملاحظة الطفح الجلدي والقرح النخرية، إلى جانب تقييم الوضع البيئي أو السفر إلى مناطق موبوءة، ويُؤكد التشخيص من خلال الفحوص المخبرية أو اختبار (بي سي آر) للكشف عن الحمض النووي للبكتيريا”. وشدد على أن “إمكانيات التشخيص والعلاج متوفرة في ليبيا، وأن العلاج المعياري لجميع أنواع الريكتسيا معروف ومتوافر، ويجب أن يُعطى فور الاشتباه دون انتظار نتائج المختبر. وفي حال الحوامل أو الأطفال الذين لا يتحملون العلاج الأساسي، تستخدم أدوية بديلة مثل الكلورامفينيكول”. وأكد أن “العلاج المبكر خلال الأيام الأولى من ظهور الأعراض ضروري جدًا، إذ يساعد على خفض الوفيات والمضاعفات”، مشددًا في الوقت نفسه على أن “الوقاية تظل الأساس من خلال تحسين النظافة الشخصية والعامة، واستمرار التوعية المجتمعية لأنها الدرع الحقيقي ضد انتشار العدوى”. ودعا إلى أن “يتجه النظام الصحي نحو الخدمات الاستباقية والتنبؤية والوقائية، التي تتجاوز الإنذار المبكر والترصد، مع تعزيز التوعية الصحية والعمل بمفهوم الصحة الواحدة، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة والحيوان، وبناء نظام صحي موحد يقوم على الاستعداد والاستجابة والجاهزية لمختلف التحديات الصحية”.