أزمة اختناق في قابس: سبتمبر الأسود

في يوم السبت 27 سبتمبر 2025، شهدت منطقة شط السلام بمحافظة قابس حالات اختناق جماعية لأكثر من 50 تلميذًا، بسبب الغازات المنبعثة من المجمع الكيميائي التونسي، مما استدعى نقلهم إلى المستشفيات. ولم تكن هذه الحادثة الأولى من نوعها، إذ وقعت 3 حوادث اختناق مماثلة خلال شهر سبتمبر، ما دفع حملة “أوقفوا التلوث” إلى وصف هذا الشهر بـ”سبتمبر الأسود”، محذرة من خطورة الوضع البيئي في محافظة قابس جنوبي البلاد. ووفقًا لبيانات حملة “أوقفوا التلوث”، شهدت مدينة غنوش القريبة يوم 9 سبتمبر أكثر من 30 حالة اختناق، تلتها حادثة أخرى يوم 10 سبتمبر أصابت 9 أشخاص، ثم حادثة أخرى يوم 16 سبتمبر أصابت أكثر من 20 شخصًا، حتى حادثة 27 سبتمبر في شط السلام التي تجاوز فيها عدد المصابين الخمسين. وخلال الأشهر الأخيرة، شهدت محافظة قابس احتجاجات واسعة تطالب بتنفيذ القرار الحكومي الصادر عام 2017 لتفكيك الوحدات الكيميائية ونقلها بعيدًا عن المناطق السكنية. جاءت هذه التحركات رفضًا لقرارات حكومية مؤرخة في 5 مارس 2025 لزيادة إنتاج الفسفاط داخل المنطقة الصناعية، وإزالة مادة “الفوسفوجيبس” من قائمة المواد الخطرة، بالإضافة إلى السماح بإقامة صناعات جديدة مستنزفة مثل إنتاج الأمونيا. وأعرب أولياء الأمور عن قلقهم قائلين: “أطفالنا يختنقون ولا أحد يتحرك”. ويعتبر المجمع الكيميائي في قابس، الذي يسهم بنحو 57% من إنتاج حمض الفسفور الوطني، أحد أكبر مصادر التلوث في المنطقة، مما يدفع السكان والمجتمع المدني للمطالبة بنقل المصانع بعيدًا عن المناطق السكنية بعد أن ألحقت أضرارًا بالحياة البرية والبحرية وتسببت في انتشار الأمراض التنفسية والجلدية والسرطانية بين السكان. وقال أحد الآباء: “لا نعلم نوعية الغازات التي استنشقوها، ولا إن كانت ستترك آثارًا دائمة على صحتهم”. وأضاف منجي، وليّ أحد التلاميذ، أن ما حدث ليس حادثًا معزولًا بل جزء من سلسلة مستمرة منذ سنوات. وأوضح أن الأهالي يعيشون في بيئة ملوثة بشكل دائم دون هواء نقي أو ضمانة لسلامة أبنائهم، مؤكدًا أن المصانع لم تجلب سوى الأمراض والحوادث المتكررة في ظل غياب إجراءات عاجلة لوقف التدهور البيئي وتراخي السلطات في تنفيذ القرارات الحكومية السابقة. وفي تصريح لـ”سبوتنيك”، أكد عضو حملة “أوقفوا التلوث” خير الدين دبية، أن حوادث الاختناق في ولاية قابس تزايدت خلال سبتمبر، حيث تجاوزت الحالات 100 حالة. وأشار إلى أن حالات الاختناق كانت تحدث مرتين في السنة، لكنها تكررت ثلاث مرات خلال الشهر نفسه. وأكد أن “وزارة الصحة شكلت لجنة تحقيق، لكن الحوادث استمرت دون خطوات تنفيذية فعلية”. واعتبر دبية أن ما حدث في منطقتي شط السلام وغنوش جريمة بحق الأرواح البشرية، ناتجة عن تأخير تنفيذ القرار الحكومي الصادر عام 2017 بوقف عمل الوحدات الصناعية الملوثة. وأوضح أن الحكومات المتعاقبة أجلت تنفيذ هذا القرار بسبب الانتخابات البرلمانية أولًا ثم الرئاسية، وتشكيل الحكومة الجديدة، ثم جائحة كوفيد، وأخيرًا الانتخابات مجددًا، مما دفع المجتمع المدني للاعتقاد بوجود نية للتراجع عن القرار. وحذر من أن “ما يحدث هو البداية فقط”، مشيرًا إلى التداعيات البيئية والصحية الكارثية المحتملة، خاصة في ظل إعلان الحكومة عن توسيع النشاط الصناعي بإنشاء مصنع للأمونياك وبدء تصنيع الهيدروجين الأخضر. وأكد أن قرار 2017 جاء بعد مشوار طويل من التحركات الشعبية والدراسات العلمية منذ 2011، وأن الأهالي والمجتمع المدني سيواصلون النضال للحفاظ على هذا القرار. وأوضح دبية أن السلطات لم تهتم بالكارثة البيئية في المحافظة، مشيرًا إلى أن المجمع الكيميائي في قابس، وكذلك في معتمدية المضيلة التابعة لمحافظة قفصة، ما زالا يستخدمان أساليب إنتاج قديمة وملوثة دون تطوير تقنيات العمل بما يتماشى مع المعايير البيئية الوطنية والدولية. وأضاف أن المشكلة تتكرر في مناطق أخرى ضمن الحوض المنجمي، مما يؤكد غياب تدخل رسمي فعال لمعالجة هذا الملف. وذكر بن عثمان أن الشركات التابعة للمجمع الكيميائي التونسي هي شركات حكومية وكان من المفترض أن تتدخل الدولة لحل الأزمة، لكن الأولويات الرسمية لا تزال تركز على التنمية والجدوى الاقتصادية على حساب صحة السكان والبيئة. وأكد أن المصانع تواصل العمل في ظروف ملوثة رغم تسجيل حالات إصابات بالسرطان ومضاعفات خطيرة أخرى بين الأهالي، مما يعكس تجاهل السلطات للأضرار الصحية الناتجة عن التلوث. وأوضح أن المطلب الأساسي هو تفكيك الوحدات الصناعية الملوثة ونقلها بعيدًا، كما حدث في محافظة صفاقس، لإنهاء ما وصفه بالمأساة البيئية التي حولت قابس إلى منطقة منكوبة على جميع الأصعدة. وأكد المنسق الجهوي للعدالة البيئية أن المجتمع المدني والأهالي سيواصلون الضغط على السلطات حتى يتم الالتزام بالقرارات الحكومية السابقة وحماية صحة المواطنين من تداعيات التلوث الصناعي.