زيارة لتعزيز العلاقات التونسية الليبية

Illustration for: Tunisian-Libyan Visit Enhances Strategic Ties

أفاد بيان صادر عن رئاسة الجمهورية التونسية، حصلت “سبوتنيك” على نسخة منه، بأن الزيارة تهدف إلى “تعزيز العلاقات الأخوية العريقة بين الشعبين التونسي والليبي ومواصلة التشاور حول القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك”. رغم ذلك، فإن توقيت الزيارة يثير تساؤلات حول ما إذا كانت محاولة لإعادة توجيه الدبلوماسية في المنطقة، خاصة مع التحركات السريعة على الصعيدين الأمني والاقتصادي والسياسي. شملت المحادثات ملفات التعاون الثنائي في مجالات الأمن والاقتصاد والهجرة غير النظامية، إضافة إلى تعزيز التنسيق في مواجهة التحديات العابرة للحدود. تم التأكيد على أهمية تطوير آليات التشاور المستمر لتحقيق الاستقرار والتنمية في المنطقة وتعزيز مناعة الدول أمام التهديدات المتزايدة. تأتي الزيارة بعد بضعة أشهر من زيارة المنفي الرسمية إلى تونس بين 22 أبريل/نيسان و31 مايو/أيار 2024، التي اعتبرت محطة أساسية لإعادة بناء الثقة عقب فترات من الفتور السياسي. يرى مراقبون أن الزيارة الأخيرة تتجاوز التعاون الثنائي، وربما تمهد لإحياء المبادرة الثلاثية بين تونس وليبيا والجزائر، في ظل التحديات الأمنية المتزايدة في الساحل والصحراء، والتحولات السياسية في المنطقة. وأضاف أن “ملف الهجرة والحدود ودعم التجارة البينية تمثل مواضيع استراتيجية كقنوات تواصل دائمة بين تونس وليبيا وتطرح مجددا ضمن أولويات الحوار الثنائي”. وأشار الرفاعي إلى أن ليبيا تُعد الشريك الاقتصادي الأول لتونس، ما يمنح الزيارة بعدًا اقتصاديًا هامًا، خاصة أنها تأتي كمتابعة لمخرجات اجتماع اللجنة الفنية الجمركية الليبية-التونسية المشتركة المنعقدة في أبريل/نيسان الماضي بطرابلس. أسفر الاجتماع عن توقيع محضر رسمي تضمن توصيات لتطوير التعاون الجمركي وتسهيل حركة التجارة والمسافرين عبر المنافذ الحدودية المشتركة. تعتبر ليبيا شريكًا استراتيجيًا لتونس، حيث شهدت المبادلات التجارية قفزة نوعية. وفق بيانات مركز النهوض بالصادرات، بلغ حجم التبادل التجاري بين تونس وليبيا 2392 مليون دينار تونسي في 2023، مقابل 1507 مليون دينار في 2019، بنسبة نمو 59%. تُظهر الأرقام تطورًا في الصادرات التونسية إلى ليبيا، التي ارتفعت 37% خلال نفس الفترة، ما يعكس تعافي العلاقات الاقتصادية وتوسع فرص التعاون. يبرز قطاع المعادن والموارد الطبيعية في صدارة القطاعات التي شهدت نموًا لافتًا، حيث ارتفعت صادرات هذا المجال من 15 مليون دينار في 2019 إلى 125 مليون دينار في 2023، بنسبة نمو تجاوزت 88%، مما يعكس إعادة تموضع تونس كمزود رئيسي للسوق الليبية في قطاعات حيوية. أوضح ابن مبروك أن محادثات الوفدين ركزت على توسيع التعاون الاقتصادي في قطاعات الطاقة والنقل والاستثمار والتجارة البينية، وهي مجالات يرى فيها الطرفان آفاقًا واعدة لنمو اقتصادي مشترك يخدم مصالح الشعبين. شدد على أن الزيارة تعبر عن حرص القيادتين في تونس وطرابلس على تعزيز الحوار والتنسيق حول القضايا الإقليمية الكبرى، كمكافحة الهجرة غير النظامية ومحاربة التهريب والتصدي للمخاطر الأمنية العابرة للحدود، بجانب تطوير التعاون في البحر الأبيض المتوسط. أشار ابن مبروك إلى أن الزيارة تُعد منصة هامة لمناقشة مشاريع التعاون المستقبلية واستكشاف فرص استثمار جديدة في البنية التحتية، لافتًا إلى أن هذه الملفات تتخطى الجانب الاقتصادي، بل تتقاطع مع قضايا السيادة والأمن الإقليمي. في ظل التحديات المتشابكة التي تمر بها المنطقة، تؤكد الزيارة، وفقًا لابن مبروك، على أهمية إعادة بناء تحالفات مغاربية قائمة على المصالح المتبادلة والرؤى المشتركة بعيدًا عن التجاذبات الدولية والاصطفافات الإقليمية. في قراءة أوسع لأبعاد زيارة رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد يونس المنفي إلى تونس، يربط مراقبون هذه الخطوة بمحاولة إعادة تثبيت موعد القمة الثلاثية المرتقبة بين تونس وليبيا والجزائر، التي كان من المقرر عقدها في طرابلس في يوليو/تموز الماضي، قبل أن يكتنف مصيرها الغموض بسبب تأجيلات متكررة. اعتبر محمود بن مبروك أن الزيارة “تُعد بمثابة تصحيح لمسار القمة الثلاثية وتثبيت لاستحقاق إقليمي بالغ الأهمية، يهدف إلى توحيد المواقف والسياسات بين الدول الثلاث، خاصة فيما يتعلق بالأمن الإقليمي ومشاريع التعاون الاقتصادي والأمني”. يُشار إلى أن الغموض الذي رافق القمة الثلاثية الأخيرة، رغم الزخم السياسي الذي أحاط بها، أثار تساؤلات حول مدى انسجام الأجندات الإقليمية للدول الثلاث، لاسيما في ظل اختلاف الأولويات الوطنية من جهة، وتزايد الضغوط الجيوسياسية من جهة أخرى. خلصت القمة الثلاثية المنعقدة في الجزائر في 4 مارس/آذار 2024، إلى اتفاق مبدئي لتنظيم قمة دورية كل ثلاثة أشهر، تُعزز التنسيق السياسي والأمني والاقتصادي بين الدول الثلاث. تلتها قمة تأسيسية احتضنتها تونس في أبريل/نيسان من العام نفسه، وأُعلن خلالها عن “وثيقة قرطاج”، التي شملت قرارات جوهرية أبرزها تشكيل فرق عمل مشتركة لمراقبة وتأمين الحدود، ومكافحة، إلى جانب مشاريع تنموية في قطاعات استراتيجية كالبنية التحتية والطاقة.