توتر متصاعد بين الاتحاد والحكومة

Illustration for: Tensions Rise Between Tunisian Union and Government

وصل التوتر بين الجانبين إلى مستويات غير مسبوقة بعد سلسلة من القرارات الحكومية التي تستهدف العمل النقابي، فيما يصر الاتحاد على الدفاع عن دوره التاريخي في الساحة الاجتماعية والسياسية. ويعتقد المراقبون أن هذه المواجهة قد ترسم ملامح المرحلة المقبلة، في ظل عدم قدرة الطرفين على إيجاد أرضية للحوار. تسعى السلطات إلى تقليص نفوذ الاتحاد من خلال إجراءات إدارية ومالية، اعتبرها النقابيون استهدافًا مباشرًا لهم. ومن بين هذه الخطوات قرار الحكومة بوقف التفرغ النقابي وإلغاء الاقتطاع الآلي لاشتراكات الموظفين لصالح الاتحاد، وهي موارد مالية حيوية لتمويل أنشطة الاتحاد. رغم أن الاقتطاع الشهري لا يتجاوز دولارًا واحدًا، فإن الاتحاد الذي يضم قرابة مليون عضو في القطاعين العام والخاص يعتمد بشكل كبير على هذا الدخل الثابت. في المقابل، أعلن الاتحاد عبر هياكله الجهوية والقطاعية عن حشد أنصاره للنزول إلى الشارع في 21 أغسطس/آب الحالي، تنفيذًا لقرار هيئته الإدارية، ملوّحًا بتفعيل قرار سابق لمجلسه الوطني بتنظيم إضراب عام إذا استمرت الحكومة في غلق باب التفاوض ورفض جلسات المصالحة في القطاعات الحيوية مثل النقل. وتأتي هذه التطورات في سياق احتجاجات قادها أنصار الرئيس سعيد أمام مقر الاتحاد في 8 أغسطس/آب، مطالبين بحله، وصولاً إلى خطاب الرئيس الأخير الذي أعلن فيه عزمه فتح ملفات الفساد بلا استثناء، مما يراه النقابيون حملة منهجية تستهدف المنظمة التاريخية. في الأسبوع الماضي، انتهت الهيئة الإدارية للشغل من اجتماعها الطارئ بقرارات تعكس التوتر المتزايد في علاقتها بالسلطة، لكنها كشفت أيضًا عن إصرارها على تجنب الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة قد تعمق الأزمة السياسية والاجتماعية في البلاد. أعلنت الهيئة عن تنظيم تجمع احتجاجي في 21 أغسطس/آب أمام المقر الرئيسي، يتبعه مسيرة سلمية في قلب العاصمة، للتنديد بالاعتداء على مقر الاتحاد والمطالبة باستئناف المفاوضات الاجتماعية المتوقفة منذ أشهر في قطاعات حيوية. وأبقت الهيئة اجتماعاتها مفتوحة، في رسالة ضغط واضحة، مع التلويح بإمكانية اللجوء إلى سلاح الإضراب العام إذا استمرت الاعتداءات وحملات التشويه وإغلاق باب الحوار. مصادر من داخل الاجتماع أكدت لـ”سبوتنيك” أن الجلسة اتسمت بأجواء محتقنة وخطابات حادة، في ظل غضب واسع لدى النقابيين مما اعتبروه “محاولات منهجية لتقويض صورة الاتحاد” عبر حملات رقمية يقودها مقربون من الرئيس. وأكد الناطق الرسمي باسم الاتحاد، سامي الطاهري، لـ”سبوتنيك” أن القضية لم تعد مجرد خلاف سياسي أو اجتماعي، بل تحولت إلى مسألة كرامة ووجود. وأضاف: “النقابيون لا يقبلون أن يُمسّ شرفهم، ولا أن يتهموا بهذه الطريقة، سواء من رأس السلطة أو من الحكومة أو من مجموعات تُساق لتشويه الاتحاد”. وأوضح أن النقابيين، مثل أي مواطن تونسي، ينتفضون عندما يُمسّ عرضهم أو كرامتهم. ورغم حدة الخطاب، حرص الطاهري على التذكير بأن البلاد “لا تحتاج إلى التصادم”، مستدعيًا من ذاكرة التونسيين الدور التاريخي للاتحاد خلال أزمة 2012-2013 حين كان أحد أبرز أطراف الحوار الوطني الذي أنقذ تونس من الانزلاق إلى الفوضى. وأكد أن الاتحاد متمسك بالاحتجاج السلمي. ومن جانبه، اعتبر الناشط السياسي المقرب من السلطة عبد الرزاق الخلولي أن الأزمة الحالية ليست سوى كرة ثلج تتدحرج وتكبر مع مرور الوقت، مؤكدًا أنها تندرج في إطار “مزيد تأجيج الأوضاع في البلاد”. وقال الخلولي: “هذه ليست معركة اتحاد الشغل بحد ذاتها، وإنما الاتحاد يخوضها بالوكالة عن أطراف سياسية تعادي الرئيس قيس سعيّد ومسار 25 جويلية. هذه الأطراف اختارت الدخول في خصومة مع الرئيس من خلال الاتحاد باعتباره يملك الآليات التي تمكنه من الضغط على الدولة عبر الإضراب العام.” وأشار إلى أنه عندما يتم اللجوء إلى “إضرابات متتالية في قطاعات حيوية، دون مبرر شرعي ودون وجود مساس حقيقي بمصالح وحقوق العمال، فإن الرسالة تصبح واضحة: الهدف ليس الدفاع عن الشغالين بقدر ما هو إقحام المنظمة في معركة وهمية شعارها العمل النقابي.” وشدد الخلولي على أن المكتب التنفيذي الحالي للاتحاد أخطأ بانخراطه في هذه المواجهة، معتبرًا أنه “يسوق المنظمة نحو المحرقة”، إذ بات الاتحاد، على حد قوله، يدافع عن وجوده وعن بعض الوجوه داخله، ممن وُجهت لهم اتهامات تتعلق بالفساد والفشل في المحافظة على الإرث التاريخي للاتحاد كمنظمة نقابية، قبل أن يتحول هذا الدور شيئًا فشيئًا إلى دور سياسي. وأضاف الخلولي أن ما سمّاه “معركة كسر العظام” قد انطلقت منذ فترة، بمشاركة أطراف سياسية وحزبية داخلية وخارجية، غير أنها لم تجد صدى لدى الشارع، فلجأت هذه الأطراف إلى استغلال القاعدة الشعبية والعمال التابعة للمنظمة الشغّالة لمواصلة المواجهة مع السلطة. ويرى المحلل السياسي طارق الكحلاوي أن حالة التوتر بين الاتحاد العام التونسي للشغل والسلطة تعود بالأساس إلى توقف مسار المفاوضات الاجتماعية، وهو ما أجج الوضع وجعله يبلغ ذروته خاصة بعد إضراب قطاع النقل، ثم المسيرة التي نظمها أنصار الرئيس مطالبين بحل المنظمة النقابية، وصولًا إلى خطاب الرئيس الذي تبنى ضمنيًا مطالب المحتجين ودافع عنهم أمام مقر الاتحاد. ولفت الكحلاوي إلى أن الاتحاد العام التونسي للشغل يتعامل أيضًا بحذر مع الوضع، حيث لم تحدد هيئته الإدارية موعدًا لإضراب عام واكتفت بالدعوة إلى مسيرة سلمية تحمل شعارات اجتماعية بالأساس، مرتبطة بالملفات العالقة واستمرار المفاوضات، دون أن تأخذ طابعًا سياسيًا مباشرًا. ويضيف الكحلاوي أن التصعيد، وإن كان قائمًا، فإنه لم يبلغ مستوى المواجهة المباشرة، مشيرًا إلى أن بعض الشعارات السياسية التي صدرت خلال اجتماع الهيئة الإدارية تعكس مواقف أطراف نقابية محسوبة على المعارضة، لكنها لا تمثل بالضرورة الموقف الرسمي للمكتب التنفيذي للاتحاد.